ساخنة أو باردة.. حسب الذوق
كتبت الأخت الفاضلة فاطمة حسين في «صحيفة الوطن» يوم الجمعة 2009/10/30 تحت عنوان «حجاب النائبات» تقول: عاتبة أنا -بصراحة- على لجنة الافتاء... ثم شرعت تذكر الاهتمام الكبير الذي يوليه النواب لقضايا الأنثى، والذي يقابله اهمال أكبر في قضايا أكبر وأهم، تعرض لها صريح القرآن والسنة، لكن كما تقول تم التغاضي عنها عملا بالملاءمة المطلوبة مع العصر، وضربت لذلك مثلا قضيتين: الأولى.. الجلد للزاني والزانية سبعين جلدة، ولعل ذلك منها خيانة ذاكرة أو مطبعة أو خيانة قلم، لأن حد الجلد للزاني غير المحصن كما هو معلوم مائة جلدة. والقضية الثانية قطع اليد..ثم قالت يحدثنا التاريخ عن الرؤية الجديدة التي فسر فيها الشيخ المجدد محمد عبده معنى قطع اليد في الآية الكريمة أنه بمعنى «أمر ونصيحة موجهة لولي الأمر وهي ان ينشر في البيئة الاجتماعية من العدل والانصاف ما يكفي ليجعل الانسان يكف عن السرقة».. ثم ذكرت ان قطع اليد في اللغة كناية عن الكف عن أداء العمل... ولا اعلم هل هذا تفسير منها أم اكمال لما ذكرته عما فسره محمد عبده، ثم أكملت تقول: أما مايخص الحجاب فقد جاء في كتاب المفكر الاسلامي جمال البنا بأن آية الحجاب قد نزلت في المدينة المنورة، ومن المعروف ان آيات العبادات نزلت في مكة، واختصت المدينة المنورة بالسلوكيات السياسية والاجتماعية.. الى آخر عبارته.
http://www.alqaly.com/vb/
ثم خلصت برجاء الى الأخوة النواب ان ينصرفوا الى «ما هو أكثر قيمة وأجدى ثمرة، من غلالة تُظهر أكثر مما تخفي من شعر فلانة أو علانة.. أو خرقة تبلى مع الأيام» الى آخر ختام المقال.
أقول: بدأت الأخت الفاضلة فاطمة حسين مقالها بـ«عاتبة أنا».. وعندما أتممت قراءة المقالة وجدت الكاتبة أحق بالعتاب، واني استميحها عذرا بالمعاتبة لأقول: قرأت للأخت الفاضلة مقالا قبل سنة تقريبا في «الوطن» تذكر فيه العمرة الماتعة والتي صحبهم فيها الدكتور بدر الرخيص الذي كان دليل الرحلة الى المواقع والآثار التي تُختص بالنبي صلى الله عليه وسلم وأَحْسَست وأنا أقرأ المقال منها رقة وتعظيما لكل ما اتصل بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن كان هذا شأنه فلابد ان يكون ذلك في جميع شأنه، لكنني لم أجد ذلك فيما كتبته اخيرا في مقالها الذي تعتب فيه على النواب اهتمامهم بتطبيق حكم الحجاب، وتُلزمهم بترك المطالبة بالحجاب لأن هناك كما تزعم، قضايا أولى منه قد تركوها، وهي المطالبة بتطبيق حد الزنا والسرقة.. فعاتب أنا وأقول ان لهذا الكلام نصيبا من الصحة لو كان في مقدور النواب قسر الحكومة على تطبيق الحدود لكن ذلك معسور عليهم، الا ان هذا المعسور لا يمنع المطالبة بما يرونه ميسورا وهو الحجاب، ولما كان الميسور لا يسقط بالمعسور، كما القاعدة الفقهية، فما وجه الغرابة بالمطالبة به، وما وجه سقوطه بتعسر غيره؟! وأين فيه التغاضي عملا بالملاءمة المطلوبة مع العصر الذي تذكره؟!
وعاتب أنا على قبولك تفسير الشيخ «المجدد» محمد عبده للأمر بقطع اليد- ان صح ذلك عنه - وان لم يكن ذلك بعيدا عن مدرسته في التجديد، بأنه «أمر ونصيحة للحاكم»، ثم قولك ان القطع هو في اللغة «كناية عن الكف عن أداء العمل».. لأن مما هو غني عن البيان اننا لو أعملنا الحقائق اللغوية وأهملنا الحقائق الشرعية فلن يتبقى لنا عبادة، لأن المعتبر في العبادة، الحقيقة الشرعية لا الحقيقة اللغوية، فالصلاة مثلا في اللغة: الدعاء وفي المعنى الشرعي: أعمال مخصوصة بنية مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، فلو أعملنا المعنى اللغوي دون الشرعي فسيكتفى بالدعاء دون الصلاة وهكذا تسقط الصلاة، وكذلك في الزكاة، فالزكاة لغة: الطهارة، قال تعالى: {قد أفلح من زكاها} أي طهر النفس من الأخلاق الرديئة، ويا له من معنى وسند سيفرح به كثير من أغنيائنا وكذلك الصيام معناه الامساك عن الكلام.. فيكفي اذن ان نصمت في رمضان ولا نصوم وكذلك الحج وهكذا باقي العبادات والمعاملات التي لو أعملنا حقائقها اللغوية دون الشرعية لما تبقى من أركان الاسلام شيئا.. وعاتب أنا عندما تحتجين لعدم أهمية الحجاب بما في كتاب من أسميته بالمفكر الاسلامي جمال البنا، والمفكر هو من احترف التفكير وأَكْثَرَ منه، أقول لو فكر هذا «المفكر» قليلا، لما كشف عن قلة تفكيره بقوله: ان الأحكام الشرعية نزلت في مكة واختصت المدينة بالسلوكيات السياسية والاجتماعية.. الى آخر ما ذكر، لأن من كان له أدنى صلة بالسيرة النبوية أو الفقه يعرف ان التكاليف بالعبادات نزلت كلها في المدينة واختصت مكة بتكاليف الاعتقاد.
وعاتب أنا..بل أنا غاضب، ان تصف الحجابَ الذي هو شعار نساء أمة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم- مَن أحسست منها رقة وحبا للنبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه غلالة!! غلالة..هكذا ببالغ السهولة والثقة والجرأة؟! لا بل خرقة تبلى مع الأيام؟! أيجتمع حب النبي-صلى الله عليه وسلم- مع الاستخفاف بشريعته.
ان من ذكرتِ من الأئمة الأربعة في مقالك وهم الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة ومالك أنهم قد اختلفوا في تفسير القرآن، واحترم كل منهم الآخر، هؤلاء جميعهم قد اتفقوا مع غيرهم من الأئمة سنتهم وشيعتهم على كون الحجاب واجبا، فهل ديننا الذي ذكرت أنه صالح لكل زمان ومكان يعيبه الحجاب، حتى نبحث له اليوم في ما يلائمه من المعاني بدل ما ذكرتِ من الخرقة أو الغلالة؟!
هذه مناقشة على «نار هادئة» يمكن تقديمها لأم حسام ساخنة أو باردة.. حسب الذوق.
الثلاثاء، 3 نوفمبر 2009
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق